شكيب أرسلان

331

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية

ألا إنها الدنيا تريك عجائبا * وما في القوى منها فلا بد أن يبدو وأقام رحمه اللّه بظاهرها فصيرها دار جهاده ، وعمل في خندقها بيده ، وفي ذلك يقول شيخنا كاتب سره ، نسيج وحده أبو الحسن بن الجياب ، رحمه اللّه ، من قصيدة أولها : أمّا مداك فغاية لم تسبق * أعيت على غرّ الجياد السّبق فاشرح بسعدك كلّ معنى مشكل * وافتح بسيفك كلّ باب مغلق في وصف عمله في خندق الحصن : للّه منك مشاهد مشكورة * عند الآله بمثلها لم تسبق مثل الحفير بها الذي باشرته * فعل الرسول وصحبه في الخندق وفي العاشر لرجب من عام خمسة وعشرين وسبعمائة تحرك إلى الغزو ، وأخذ الأهبة ، واستكثر من الآلة ، واحتشاد المطوعة ، وقصد مدينة مرتش العظيمة الساحة الطيبة البقعة ، فأضرب بها المحلات ، وكان قصده إجمام الناس إلى الغد ، فصرفت الحشود وجوهها إلى ما بها من شجر الكروم الملتفات ، وأدواح الأشجار ، فأمعنوا في افسادها ، وبرز حاميتها ، فناشبت الناس القتال فحميت النفوس ، وأريد منع الناس فأعيا أمرهم ، وسال منهم البحر ، فتعلقوا بالاسوار ، وقيل للسلطان : بادر الركوب ، فقد دخل البلد ، فركب ووقف بإزائه ، فدخل الحصن عنوة ، واعتصم أهله بالقصبة فدخلت أيضا عنوة ، وانطلقت أيدي الغوغاء على من بها من ذكر وأنثى ، صغير أو كبير ، فساءت القتلة ، وقبحت الأحدوثة ، ورفعت من الغدآ كأم من الجثث ، صعدت ذراها المؤذنون ، وقفل إلى غرناطة بنصر لا كفاء له . وكان دخوله من هذه الغزاة في الرابع والعشرين لرجب المذكور . وفاته : ولما فضل من مرتش ، نقم على أحد الرؤساء من قرابته ، وهو ابن عمه محمد بن إسماعيلي المعروف بصاحب الجزيرة ، أمرا فقرّعه عليه ، وبالغ في تأنيبه ، وتوعّده بما